الشيخ محمد هادي معرفة

316

تلخيص التمهيد

فقد فصل بين المتضافين ، وقدَّم المفعول على الفاعل المضاف إليه . وهذه القراءة فيها ضعف ، للتفريق بين المضاف والمضاف إليه ، وهذا إنَّما يجوز في الشعر ، وأكثر ما يجوز في الشعر مع الظروف لاتّساعهم فيها ، وهو مع المفعول به في الشعر بعيد ، فإجازته في القرآن أبعد « 1 » . * وقرأ نافع : « فَبِمَ تُبَشِّرُونَ » بكسر النون ، وغلَّطه أبو حاتم « 2 » لأنَّ نون الرفع لاتكسر لئلّا تصير تابعة . وقد جاء ذلك في الشعر « 3 » . * وقرأ أبو جعفر - هو من العشرة - : « لِيَجْزِيَ قَوْماً » « 4 » بالياء المضمومة وفتح الزاي مبنيّاً للمفعول ، مع نصب « قوماً » . وتأويل ذلك : أن يجعل المصدر نائباً عن الفاعل ، أي يجزى الجزاء ، وهو ضعيف ، لا سيَّما مع ذكر المفعول به . قاله القاضي « 5 » . والقراءات من هذا النمط كثيرة ، والمحاولات في توجيههنَّ أكثر ، ولقد كان الاهتمام بشأن القراءات وتوجيههنَّ وفق القواعد العربية صنعة أقوى من توجيه القراءة المشهورة . قال الإمام بدرالدين الزركشي : وتوجيه القراءة الشاذَّة أقوى في الصناعة من توجيه المشهورة . ومن أحسن ما وضع فيه كتاب « المحتسب » لأبي الفتح ، إلّاأنَّه لم يستوف . وأوسع منه كتاب أبي البقاء العكبري . وقد يستبشع ظاهر الشاذّ بادئ الرأي فيدفعه التأويل « 6 » . ثم جعل يسرد أمثلة ممّا قدّمنا . قلت : فما موقعية اشتراط « موافقة العربية » معياراً لتعيين القراءة الصحيحة عن الشاذَّة ؟ ! وكلّ قراءة مهما شذَّت فإنَّ لها تأويلًا ممكناً يتوافق مع وجه من وجوه العربية ولو بعيداً ، كما تقدَّم . وقد وضع كثير من القدامى والمتأخِّرين رسائل لمعالجة القراءات الشاذَّة وتوجيهها من لغة العرب ، الأمر الَّذي يجعل من اشتراط العربية لغواً محضاً .

--> ( 1 ) الكشف : ج 1 ص 454 . ( 2 ) البحر المحيط : ج 5 ص 458 ، والآية 54 من سورة الحجر . ( 3 ) إملاء أبي البقاء : ج 2 ص 76 . ( 4 ) الجاثية : 14 . ( 5 ) الإتحاف : ص 390 . ( 6 ) البرهان : ج 1 ص 341 .